الإهداء
: إلى روح زميلي وأخي النبيل الرائع :
محمد أحمد الوشلي
الذي فقدته في حادث سير مؤلم .. وترك فاجعة لم أتمناها .. سلام عليه يوم ولد .. و
يوم مات .. و يوم يبعث حيا .
و إنا لفراقك لمحزونين يا محمد .
؟ وهي ترتجف ..!! ناولتني ”الحاجة
آمنة“
56 عاماَ
كوباً كبيراً من الشاي الأحمر .. وجلست على حصير قديم ، تسبقها تنهيدة حارة ،
سألتها : ما الذي حدث ؟! ، وهنا بدأ فصل الحزن الذي لا ينتهي ..!!
فقدت الحاجة "آمنة"
أولادها الثلاثة في حادث مرور واحد ، فقدت معه عافيتها ، و لم تخرج من غرفة العناية
المركزة إثر إنهيار عصبي حاد ، إلا بثلاثة أمراض متلازمة : السكري ، الضغط ،
وإنخفاض مستمر في مستوى الرؤية ، إبيضت عينها اليسرى من الحزن ، وأنا الآن في حضرة
البكاء .. دموع لا تنضب ، وهي تنعي وتتذكر : إبتسامة الكبير ، شقاوة الصغير ، وعناد
إبنها الأوسط .
ذهبوا في الصباح الباكر .. الشمس لم تظهر بعد ، وهي تودعهم بإبتسامة قلق ، وقلب
منقبض ، عادت ونظرت صوبي بعينها اليمنى ، وشفاه جافة .. شربت من إناء جرة الطين
القريبة ، جاءني صوتها مبحوحاً .. وهو الكلام المترابط الذي سمعته منها في زحام
البكاء الهادر .. والآهات الحارقة .. قلب أم .. تركها أولادها بدون هدية في عيدها
الأممي ، قالت : لم يعد لي سند سوى هاتين الطفلتين ، و ... تواصل البكاء .!!
؟
لم يكمل أبنيها الأول والثاني عامهما الثالث من الزواج .. رزقا فيه بطفلتين هما : "آمنة
"عامين"
تيمناً باسم والدته ، "خديجة
عام ونصف العام "
، وأما " بعلها " فغيبه الموت قبل عشرة أعوام إثر مرض عضال .
لا أحد .. سوى المؤجر الذي تسكن طابقه الأرضي .. يدق بابها بطلب الإيجار الشهري ..
ثلاث غرف .. صالة صغيرة ، و حمام .. كان إبنها الصغير ينام جوارها .. والآن يبقى
المكان واسعاً لعجوز شارفت صحتها على الإنهيار .. وطفلتين جميلتين يبدو أن براثن
الزمن القاسي لن ترحمهما أو تكفل لهما كفاف العيش .
؟
إذاً .. ما الذي حدث ؟!، لم استطع الوصول لنتيجة مع هذه الأم المكلومة .. سوى أن
بكاءها المرهق .. أدخلني في دوامة الدموع .. وأودعت بقلبي حزناً رهيباً لن أنساه
بسهولة ..!!.
»
يقول
مدير مرور محافظة ذمار
: أن الأخوة الثلاثة ، وهم "أحمد
28عاماً
" "عيسى
26عاماً"
و "علي
22 عاماً"
غادروا مدينة ذمار صباح يوم الثلاثاء 17- 3-2009م إلى مدينة الحديدة (270كم
غرب مدينة ذمار)
تقلهم سيارة هايلوكس .. تطير بسرعتها القصوى للحاق موسم بيع القات اليومي بأحد
اسواق الحديدة الذي يبدأ البيع فيه منذ 11 صباحاً ويمتد أحياناً إلى ساعة متأخرة من
الليل ، وعند مفترق طريق "حمام علي" الذي يقود إلى الحديدة ـ ويخترقه طريق صنعاء –
ذمار المرعب ، وقع الحادث الرهيب ، وإنتزعت قاطرة نقل كبيرة قادمة من صنعاء بإتجاه
الجنوب أرواح سبعة من ركاب سيارة الهايلوكس – التي تستخدم عادة لنقل القات من مدينة
إلى أخرى- ، جميعهم ماتوا .. وتناقلت (سبأ موبايل) هذا الخبر المريع عبر رسالة نصية
.. ألقت بظلال الرعب .. والحيرة ، والتساؤل عن إمكانية وضع حل هندسي يوقف شلال
الدماء الذي يسكبه طريق صنعاء- ذمار .. ويوزعه بكل حزن على المناطق .. والقرى ..
ويتعداه إلى الخوف من كارثة إجتماعية توازي الكارثة الإقتصادية التي هدرتها الحوادث
المرورية بكل إستخفاف على قارعة الطريق الإسفلتي الغادر .
يتساءل المقدم :
خالد أنعم
: لماذا كل هذا الحزن ؟! ، و يصمت .. لكن صمته غاب في فراغ الصمت الحكومي
اللامتناهي ..!! .
؛ ماهية الطريق
يمتد الطريق الإسفلتي الممتد من عاصمة اليمن صنعاء شمالاً إلى مدينة ذمار جنوباً
بمسافة 100كم ، ويلقى الآلاف سنوياً حتفهم في هذا الطريق بسبب التوسعات الإنشائية
التي ينجزها مقاولون محليون متهمون بالتقصير ، والتلاعب المريع في نوعية الإسفلت
الرديئة وطريقة عملهم السيئة التي تظهر على الكثير من أعمال الطرقات ، مثل :
الحفريات الكبيرة ، التشققات المفاجئة ، إنعدام اللوحات الإرشادية والخطوط
الفسفورية على جانبي الطريق بشكل يجعلك تتخيل أنك تمخر عباب البحر حيث لاضوء يهديك
سوى ضوء القمر ، وأحياناً كثيرة تتفاجأ بوجود مطبات ترابية مستحدثة من قبل أهالي
القرى المحاذية للطريق ، و الأكثر قلقاً أنك تضطر للخروج من مسارك إلى مسار آخر
لعدم إكتمال الطريق حيث يبرع المقاولون بتقطيع أوصاله وربطه بشكل مفاجئ بالطريق
القديم ، وهو ما يسبب أرباكاً حقيقياً يودي بالسائقين إلى التهلكة ، إضافة إلى
إنعدام أنوار بعض السيارات الكبيرة والمتوسطة الأمامية والخلفية مما يجعل وقوع
الحادث ممكناً بسهولة.
؟
يدافع المقدم
أنعـم
مدير إدارة مرور محافظة ذمار عن إختصاصات إدارته : ليس من صلاحياتنا إلزام
المقاولين تركيب اللوحات الإرشادية أو مراقبة عملهم ، لا شيء سوى تنظيم حركة السير
داخل المدينة ، وإحاطة الحوادث المريعة بالتخطيط ، وتحديد ماهيتها ، وكيفية حدوثها
، ويقول : هذه كارثة بكل المقاييس ، إن كل أب يفقده أبنائه يعرضهم لخطر الفقر
والتشتت أو الانحراف .
ويمضي في حديثه متسائلاً : من المسؤول ؟! ، ثم يعلق بحزن : إنها حرب ..!! حرب غير
معلنة ..!!.
؛ قدر أم تهلكة
يمضون في جنون .. ولا تستطيع قارئة الفنجان أن تعرف نهايتهم .. هكذا يغادر سائقي
المركبات من مفرزة سيارات الأجرة الملاصق لسور مقبرة المدينة .. فتكون بداية الرحلة
وربما نهايتها في مربع واحد لا يفصلهما عن بعضهما سوى سور أسمنتي مهترئ .. و لا
تتكهن بأن القادم إلى داخل هذه الأسوار شهيد تفرق دمه على قارعة الطريق الإسفلتي
الذي يصفه الكثيرين بـ: طريق الموت .
فهل الجنون وحده الذي يقودك إلى الهلكة ؟ ، أم أن العيوب المريعة في هذا الطريق
أضافت إلى الجنون جنوناً آخر ، وإلى قارئة الفنجان مخاوف أخرى ؟.
يقول عالم الدين السني القاضي :
أحمد محمد العنسي
: أن التحري لأسباب السلامة وفحص المركبة والقيادة السليمة والآمنة والمتوازنة في
حال وقوع حادث مفاجئ لا تسمى تهلكة بل قدراً ربانياً ، كان فيه المرء آخذاً
بالأسباب الدنيوية ، لكن إن تهور السائق وقاد مركبة بلا أنوار ، وتعدى السرعة
القانونية و تجاوز في الأماكن المحرمة ، وتغاضى عن فحص سيارته فإن الهلكة نهايته ،
ما لم تكن حظوظه ملائمة له ، والعناية الإلهية تنقذه مرة تلو أخرى .
؛ أطباء بلا رحمة .. ومستشفيات بلا حقنة !!
يحلو للطبيب
عبدالله غسان
تعظيم قدرات أطبائه في خدمة مصابي حوادث المرور الذين يتقاطرون على مستشفى الوحدة
التعليمي الجامعي بمدينة معبر "60كم
جنوب العاصمة صنعاء"
بحكم تلازم هذا المشفى الجامعي بالطريق المميت وموقعه الملائم لتقديم اسرع الخدمات
الطبية الطارئة لحالات الطوارئ المرورية المريعة .
لكنه يشكو ضعف الإمكانات ، وافتقاره لأجهزة حديثة .. و تزاحم موتى الحوادث داخل
ثلاجة المشفى الواسع ، ويقول ساخراً : هل تصدق أن حفرة صنعها مقاول الإسفلت بالقرب
مدينة رصابة
" 80كم جنوب العاصمة صنعاء"
أودت بحياة سبعة أشخاص واحداً تلو الآخر ، حتى تفضل المسئولون المحليون بردمها !!.
وأضاف : لقد إستقبل مستشفى معبر (20ألف حادث مرور خلال العام 2008م) ، وهنا كانت
المفاجأة الكبرى ، و معها قادني الفضول الحزين إلى البحث عن رقم جديد ترصده سجلات
مستشفى ذمار العام الذي يستقبل هو الآخر حالات الطوارئ العنيفة ، لكنه على هزال
تجاوب أطبائه مع المصابين يبقى الهدف الواضح في عقول المسعفين الذين يتقدمون لفعل
الخير ونقل المصابين المبعثرين والملطخين بدماء حائرة وساخنة ، وفي هذا يدافع
د. عبدالرقيب الغباري
رئيس قسم الباطنة بالمستشفى عن حقيقة الإهمال و يقول محتداً : نحن نفعل كل مانراه
واجباً .. لكن أين يمكنني أن أضع ضحايا النزف الدماغي في ظل إنعدام جهاز الأشعة
المقطعية ، وعندما أوجه بنقلهم إلى صنعاء لإجراء الفحوصات الشاملة أجد سيارات
الإسعاف غائبة .. هذا إهمال إداري لا أقدر على مواجهته ، أما أنا وزملائي فنقوم
بواجبنا كأطباء .
؟
هل يكفي أن يكون الطبيب ماهراً لإنقاذ أرواح المصابين ؟ ، سؤال غير مناسب لجواب ضاع
أمام قسوة الرائحة العفنة التي تتميز بـها أقسام المستشفى المنهار .
في غرفة العناية المركزة التي سيق إليها زوراً وبهتاناً صفة "الحثيثة" ، يشرف على
تطبيب المرضى شاب صغير أو عدة شباب يدرسون التمريض الصحي في إحدى المعاهد الخاصة
بالمدينة ، الأسّرة ممتلئة بالمرضى ، وليس كل من دخل أبواب الغرفة (الحثيثة) يتلقى
علاجه المشترى من صيدلية المشفى ، فبيعه فكرة جيدة ، وأكثر ملائمة لأفكار شاب لا
يفقه ماذا يقدم لمرضاه المتدفقين عليه باستمرار ؟! ، سوى قراءة قصص الأفلام
البوليسية المثيرة .
وبالقرب منه شاب مجهول الهوية يصارع الموت ليومين كاملين من نزف دماغي ناتج عن دهسه
بسيارة شخص مجهول ايضاً دون أن يتلقى العلاج أو يفحصه طبيب ماهر ، أو حتى يكون
مدعاة للرحمة .. فالإجراءات الإدارية البيروقراطية تحتم وجود الأهل ، وإن غابوا ،
فلا ضير أن يُـغيب الموت إبنهم فيتلقون خبراً ثقيلاً .. يبكيهم لأعوام طوال .
وبهذا .. يبقى السائر على الطريق بين فكي كماشة .. سوء الأعمال الإنشائية التوسعية
.. و إهمال وهزال المستشفيات التي يُـلقى إليها .
؟
قبل عام ونيف .. تذكرت والدي الذي هاتفني بحادثه المروري المفاجئ أخي الأكبر ..
هرولت بإتجاهه ، ومن بعيد سمعت صراخه ، أهتديت إليه .. وصعقني ما رأيت : كان مكبلاً
بخيوط أقمشة الجراحة ومقيداً بقسوة إلى سرير حديدي بارد ، وقد أجتهد فاحصوه بتجريد
ملابسه .. و أعطائه حقنة مهدئ .. ثم واصلوا مزاحهم الثقيل في غرفة الطبيب المناوب
بإنتظار قريب له ، كان هذا في مستشفى الثورة الكبير بالعاصمة صنعاء .
صرخت .. إستنجدت .. بكيت .. وأنا أرى والدي جريحاً دون تطبيب ، و عجزي يفوق مقدرتي
.. ولم أجد سوى نصيحة حارس شاب يقول : سيموت والدك إن لم تنقذه لأقرب مشفى خاص .
من هنا تبدأ الحلقة الأهم .. من ينقذ جرحانا ..؟! ، و هل ينبغي أن يحصد حادث
المرور كل المصابين بسبب الإهمال الحقيقي من أطباء بلا رحمة ، أو مستشفيات بلا حقنة
(!!) .
؟
تألم
عبدالعزيز جباري
النائب البرلماني المعروف وهو يتذكر إبنه الذي فقده خلال حادث سير مؤلم قبل سنوات ،
وبعينيين مثقلتين بالدموع شرح لي كيف يرى أبنه المتوفى في عيون الآخرين وفي ضحكة
تشبه ضحكته ، وقال : الحوادث فاجعة العصر .!!
هذا النائب المحترم أكد وهو يتكئ على يده جالساً : أن مجلس النواب وجه بتوصيات
عديدة لوزارة الأشغال العامة للقضاء على التنفيذ الفاسد لمشاريع الطرقات ، لكن لم
يتم الاستجابة لشيء من هذه التوصيات .
ففي إحصائية هامة لحوادث المرور بمحافظة ذمار فقط خلال ثلاثة أعوام منذ 2005م حتى
2007م نجد أن عدد حوادث الصدام فاقت الـ982 حادثا وتجاوز عدد الوفيات 626 شخصاً
وقدرت الخسائر المالية بثلاثمائة مليون ريال تقريباً بينما أصيب خلالها 2000 شخص
بإصابات متفاوتة .
وبلغ إجمالي وفيات حوادث المرور للعام 2008م بمحافظة ذمار وحدها 165 شخصاً ..
وإصابة أكثر من 980 شخصاً بإصابات مختلفة .
بينما تجاوز عدد الوفيات للعام 2008م في إحصائية مركزية صادرة عن الإدارة العامة
للمرور بصنعاء الـ 2500 شخص ، وأصيب أكثر من 20ألف آخرين بإصابات متعددة .
هذه الأرقام ليست وحدها هي التي تقذف اليمنيين إلى العالم الآخر ، فهناك حوادث أخرى
كالقتل والحروب القبلية ، وأخطاء إستخدام السلاح الناري ، وحالات الإنتحار ، و
وفيات الأمراض المستعصية ، والإهمال الطبي الذي يتم تجميله ووصفه بالأخطاء الطبية .
؛ حكايات المراهقين بلا آباء
العائلات التي تفقد عائلها .. كثيراً ما تتردد عليها آفات التشتت الاجتماعي في ظل
غياب القدوة الذي يمثل اختفائه .. غياباً كاملاً للانضباط الأسري .. يتحول الأبناء
إلى مهن رخيصة .. ويقودهم سن المراهقة إلى فعل أشياء غير محترمة بالنسبة لقيم
المجتمع اليمني المحافظ .. وبعيداً عن صفوف الانتظام المدرسي .. ينسلون من بين
جدران المدارس حيث تستقبلهم الأرض والواقع واليأس وحكايا المراهقين اللذيذة .
ينخرط بعض الفتية الذين يحاولون تكوين شخصياتهم في منظمات سلفية جهادية .. أو
دعوية .. وبعضهم تقوده رجليه إلى صعدة حيث التمذهب الشيعي .. وآلة الحرب .. وآخرين
وهم كثر يبحثون بين ثنايا الحروب أو القلاقل عن فرصة للالتحاق بإحدى معسكرات
التدريب الأمني التي تنتشر في أغلب محافظات الجمهورية .. ويبقى طموحه متعلقاً
ارتداء لباس العسكري وحمل البندقية .. وكيس قات يحصل على ثمنه بطرق ملتوية .
وأما حكايات الشحاتة والتهريب عبر الحدود والاستغلال الجنسي للأطفال أو الفتيات فهي
حكايا مدمية .. ومهينة .. تعكس واقع المجتمع اليمني الفقير والبائس الذي لا يتجاوز
فيه معدل دخل الفرد السنوي 720 دولاراً ذكره تقرير التنمية البشرية للعام 2008م .
وقد حمل هذا العام نفسه الآف الأحزان والآهات والجروح و المآسي الكارثية التي أوحشت
أحلام الفقراء في اليمن ، وقضت مضاجعهم .
فقد توفي أكثر من 2500 شخص على قارعة الإسفلت .. وسقطوا ضحايا الأعمال العشوائية
المريعة التي ابتعدت عن واقع المساءلة القانونية والرقابة الحكومية .
و يتعامل الصحافيون المهتمون بهذا الشأن في اليمن بإحترافية مهنية عالية في تغطيتهم
الخبرية لمثل هذه الأحداث الحزينة ، ويجد الصحافي اليمني والباحث الإجتماعي :
فضل الأشول "
أن
الجهات الحكومية المسؤولة لم تباشر مهامها كما ينبغي لها ، أو تحاول مجرد التدخل
لإنقاذ أرواح الناس الأبرياء من عبث المقاولين أو السائقين على حد سواء ".
ففي مدينة أب (250
كم جنوب العاصمة صنعاء
) و هي مدينة بعيدة عن طريق الموت .. توفي
223 شخصاً في 579 حادث مرور خلال العام الفائت 2008م ، وشهدت بلدة "رداع" القريبة
إلى مدينة ذمار .. وفاة 69 شخصاً في 144 حادث مرور خلال 2008م ، وبلغ عدد الأشخاص
الذين إستقبلهم
قسم الإسعاف والطوارئ بمستشفى ذمار العام خلال العام الفائت في حوادث المرور 1305
شخصاً .. توفي منهم 99 ، بينما قضى نحو 53 آخرين في حوادث إطلاق نار من إجمالي 238
إصابة .
ويضيف :
الأشول
" الأعمال الإنشائية الفاسدة التي تنفذها حالياً شركات محلية لم تلتزم بالمعايير
الفنية المطلوبة في جداول الكميات المسلمة لهم ، والمطلوب تنفيذها على أرض الواقع ،
وهو ما أدى إلى خطورة حقيقية تعترض السائقين الذين لا يفقهون في أمر التوسعات
المفاجئة أو الأعمال المهملة شيئاً .. ومنها تركيب العلامات واللوحات الإرشادية
الفسفورية " ، مؤكداً شعوره بالإحباط تجاه ما أعتبره "
بـرودا
ً"
حكومياً ينحي باللائمة على عدم وعي السائقين بأساسيات القيادة الامنة .
وهذا بالفعل ما قاله :
مدير عام الأشغال العامة والطرق بمحافظة ذمار
الذي لم ينس في غمار الأرقام الموحشة تقديم شكره الملائم لقيادة المحافظة والوزارة
على إهتمامها بتركيب 80 لوحة إرشادية على طريق يبلغ طوله أكثر من 100 كم ، وتمر
عبره أكثر من عشرة الآف سيارة يومياً بإعتباره الطريق الحيوي الذي يصل عاصمة اليمن
بمختلف المحافظات المتجهة إلى الجنوب .
و رغم عدم كفاية هذه اللوحات الإرشادية واقتصارها على التسميات التعريفية لأسماء
المناطق والقرى المحاذية للطريق ، إلا أنه رأى " أن السائقين فعلاً هم من يقودون
راكبيهم إلى هاوية سحيقة ".
و
يدافع المهندس :
هيصمي أحمد الهيصمي
عن أداء مكتبه ويصفه بالمتميز .. معترفاً بقصور العمل الإنشائي التوسعي ، مقارنة
بدقة التصاميم الهندسية المطروحة لتوسعة الطريق ، ويقول :" هذه مسؤولية مركزية تخص
الوزارة التي أرست المناقصات على مقاولين ، ولم تشرف بعد ذلك على مستوى أدائهم
الضعيف ".
؟
يتقدم إلى مناقصات الطرقات شركات يمنية محلية غير مؤهلة ، وفاقدة لمعايير الجودة
المطلوبة ، و لرأس المال ، والضمانات اللازمة لتنفيذ العمل بسرعة وإتقان .. فتنفذ
على مراحل متقطعة ، وتنشأ طرقٌ غير مكتملة لا يراعى فيها مطلقاً جواز التنبيه
للسائقين بما يقام حالياً على أرض الواقع .. فتكوم الأحجار بطريقة عشوائية على
جانبي الطرق .. وتفاجأ أحياناً بجزر أسفلت قديم أو حديث أمامك .. وبأن الطريق تضيق
، ثم تتسع بشكل مزاجي ، وهو مايراه مقاولون مناسباً مقابل ما يستلمونه من مخصصات
مالية لا تصرف بشكل وافٍ ، مما يعني ترك حكاية الإتقان المطلوب لحين وفاء وزارة
الأشغال العامة والطرق بإلتزاماتها المالية تجاههم .
؟
أخذ الصحافي :
الأشول
استراحة قصيرة من حديثه المتشعب معي .. مرتشفاً جرعة أخيرة من كاس الليمون الذي
قدمه لي في مقر عمله بالصندوق الاجتماعي للتنمية بذمار .. ومن وراء نظارته رمادية
اللون .. حدق بعينيين ضيقتين .. ولم يبتسم : " الدراسات التي أجرتها مؤخراً أكثر من
جهة مهتمة بالنشء والتربية والثقافة المجتمعية أكدت أن ضحايا العنف الاجتماعي ،
كانت لشباب فقدوا عائلهم في حادث مرور أو ثارات قبلية .. حيث ينخرط هؤلاء الشباب في
تنظيمات أصولية يمارسون من وراءها تكفيرهم وحربهم ضد ما اعتبروه ظلماً وانغلاقا
مجتمعياً في وجوههم فيبدءون بالانتقام من هذا المجتمع أو من الدولة " .
وتستفيد بالفعل عناصر جهادية أصولية من انحراف الشباب وتسيبهم .. حيث فجر فتى
انتحاري في الـ18 من عمره نفسه أمام سياح كوريين الشهر الفائت بحضرموت .. وترك وصية
لوالدته ممزوجة بالإحساس الحقيقي من ظلم المجتمع .
؛ سيارات الأجرة .. الموت القادم
يضحك أهالي مدينة ذمار .. وشر البلية ما يضحك .. حين يتنادرون في مجالسهم بالسخرية
من أهالي مدينة جهران التي يقع فيها الحقل الزراعي الخصب .. بفقدانهم لحصافة
السائقين وتهورهم في السياقة .. حين يدخلون إلى الطريق السريع بسياراتهم أو
حراثاتهم الزراعية بعد العد من الواحد إلى الثلاثة .. !! ، ولهم قدرهم .. فإن
صادفوا سيارة مسافر أرتطموا بها .. وإن لم يجدوا شيئاً أطفئوا أنوار سياراتهم ليلاً
.. !!.
ليس الحال الآن أفضل من سائقي جهران المتهمين بالحصول على ترخيص السياقة قبل حصولهم
على ترخيص الاستثمار الزراعي ..!! ، فهناك سائقي باصات النقل المتوسط الذين يحشرون
الناس داخل باصاتهم كما تُـحشر الأنعام .. ويقودون باصاتهم نحو الهلاك المحقق ..
فتحدث الحوادث بالكم المروع .. ولضيق مساحة الباص مقارنة بعدد راكبيه تجد الضحايا
ممزقين أشلاء .
ينعدم هنا دور إدارات المرور .. التي لم تعمل على تحديد العدد المناسب للراكبين
تلافياً لحدوث أكبر عدد من المصابين – لاسمح الله - .
يدافع المقدم :
أنعم
مدير مرور ذمار عن ذلك ويقول : "نحن لا نستطيع تحديد ذلك .. العدد تقره نقابة
السائقين .. ونحن نعمل فقط على تسيير حركة السير داخل المدن .. وبين فينة وأخرى
نقوم بإعداد وإرسال الحملات التفتيشية للقبض على سائقي السيارات الذين لا يحملون
تراخيص القيادة .. أو مراقبة وتوقيف السيارات غير مكتملة الإضاءة الأمامية والخلفية
" .
قال هذا و ودعني بإيتسامة عادية .. بينما التف حوله المراجعين من ضباط ومواطنين
لقضاء حوائجهم .. غاب صوته .. وصوتي .. في زحام العمل .. وصخب الحياة .